النووي

607

تهذيب الأسماء واللغات

الرجل ، والرّبية مخففة : لغة في الرّبا ، قال : والرّماء بالمد : الربا ، وأرمى فلان ، أي : أربى . قال الإمام الواحدي : الرّبا في اللغة : الزيادة ، يقال : ربا الشيء يربو ربوّا ، وأربا الرجل : إذا عامل في الرّبا . قال : والرّبا في الشرع : اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع . وقال أبو البقاء العكبري : لام الرّبا واو ؛ لأنه من ربا يربو ، وتثنيته ربوان ، قال : ويكتب بالألف ، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء ، قالوا : لأجل الكسرة التي في أوله ، قال : وهو خطأ عندنا . وذكر في « المهذب » قول اللّه تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [ البقرة : 275 ] . قال الواحدي : معنى يَأْكُلُونَ الرِّبا : يعاملون ، وخص الأكل معظم الأمر ، كما قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] ، وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه ، وقوله تعالى : لا يَقُومُونَ يعني : يوم القيامة من قبورهم ، وقوله تعالى : إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ التخبّط معناه : الضرب على غير استواء ، وخبط البعير الأرض بأخفافه ، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه : تخبّط خبط عشواء ، وتخبّطه : إذا مسّه بخبل أو جنون ؛ لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش ، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون أو الخبل : خبطة ، ويقال : به خبطة من جنون ، والمسّ : الجنون ، يقال : مسّ الرجل ، وبه مسيس ، وأصله من المسّ باليد ، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنّه ، ثم سمي الجنون مسّا ، كما أن الشيطان يتخبّطه ويطؤه برجله فيخبله ، فيسمى الجنون خبطة ، فالتخبّط بالرّجل ، والمسّ باليد . فأما التفسير ، فقال قتادة : إن آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونا ، وذلك علم لأكلة الرّبا ، يعرفهم بهم أهل الموقف ، يعلم أنهم أكلة الرّبا في الدّنيا . قال الزجاج : لا يقومون في الآخرة إلا كما يقوم المجنون من حال جنونه . فعلى هذا معنى الآية : يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بجنون . قال ابن قتيبة : يريد أنه إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين ، لقوله تعالى : يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [ المعارج : 43 ] ، إلا أكلة الرّبا ، فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ويسقط ، لأنهم أكلوا الرّبا في الدنيا ، فأرباه اللّه تعالى في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ، ويريدون الإسراع فلا يقدرون ، قال : وهذا المعنى غير الأول . يريد أن أكلة الرّبا لا يمكنهم الإسراع في المشي ، كالذي خبله الشيطان ، فأصابه بخبل في أعضائه من عرج أو زمانة ، فهو يقوم ويسقط ، وهذا ليس من الجنون في شيء ، والأول قول أهل التفسير . ويؤكد هذا الثاني ما روي في قصة الإسراء : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم انطلق به جبريل إلى رجال كثير ، كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع ، قال : « قلت : يا جبريل ، من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون الرّبا ، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ » « 1 » . هذا ما ذكره الواحدي . وقال الماوردي : قوله تعالى : يَأْكُلُونَ الرِّبا

--> ( 1 ) لم نقف عليه بهذا اللفظ ، وهو بنحوه عند الحارث بن أبي أسامة في « مسنده - زوائد » ( 27 ) من حديث أبي سعيد ، وسنده ضعيف جدا .